محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

صاعا في معصية الله كان سرفا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا قال : في النفقة فيما نهاهم وإن كان درهما واحدا ، ولم يقتروا ولم يقصروا عن النفقة في الحق . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً قال : لم يسرفوا فينفقوا في معاصي الله . كل ما أنفق في معصية الله ، وإن قل فهو إسراف ، ولم يقتروا فيمسكوا عن طاعة الله . قال : وما أمسك عن طاعة الله وإن كثر فهو إقتار . حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني إبراهيم بن نشيط ، عن عمر مولى غفرة أنه سئل عن الإسراف ما هو ؟ قال : كل شيء أنفقته في غير طاعة الله فهو سرف . وقال آخرون : السرف : المجاوزة في النفقة الحد ؛ والإقتار : التقصير عن الذي لا بد منه . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا عبد السلام بن حرب ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قوله : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا قال : لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف . حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا محمد بن يزيد بن خنيس أبو عبد الله المخزومي المكي ، قال : سمعت وهيب بن الورد أبي الورد مولى بني مخزوم ، قال : لقي عالم عالما هو فوقه في العلم ، فقال : يرحمك الله أخبرني عن هذا البناء الذي لا إسراف فيه ما هو ؟ قال : هو ما سترك من الشمس ، وأكنك من المطر ، قال : يرحمك الله ، فأخبرني عن هذا الطعام الذي نصيبه لا إسراف فيه ما هو ؟ قال : ما سد الجوع ودون الشبع ، قال : يرحمك الله ، فأخبرني عن هذا اللباس الذي لا إسراف فيه ما هو ؟ قال : ما ستر عورتك ، وأدفأك من البرد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن شريح ، عن يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا الآية ، قال : كانوا لا يلبسون ثوبا للجمال ، ولا يأكلون طعاما للذة ، ولكن كانوا يريدون من اللباس ما يسترون به عورتهم ، ويكتنون به من الحر والقر ، ويريدون من الطعام ما سد عنهم الجوع ، وقواهم على عبادة ربهم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن العلاء بن عبد الكريم ، عن يزيد بن مرة الجعفي ، قال : العلم خير من العمل ، والحسنة بين السيئتين ، يعني : إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ، وخير الأعمال أوساطها . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا كعب بن فروخ ، قال : ثنا قتادة ، عن مطرف بن عبد الله ، قال : خير هذه الأمور أوساطها ، والحسنة بين السيئتين . فقلت لقتادة : ما الحسنة بين السيئتين ؟ فقال : الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا الآية . وقال آخرون : الإسراف هو أن تأكل مال غيرك بغير حق . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا سالم بن سعيد ، عن أبي معدان ، قال : كنت عند عون بن عبد الله بن عتبة ، فقال : ليس المسرف من يأكل ماله ، إنما المسرف من يأكل مال غيره . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك ، قول من قال : الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع : ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه ، والإقتار : ما قصر عما أمر الله به ، والقوام : بين ذلك . وإنما قلنا إن ذلك كذلك ، لأن المسرف والمقتر كذلك ؛ ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخصا فيهما ما كانا مذمومين ، ولا كان المسرف ولا المقتر مذموما ، لأن ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعله الذم . فإن قال قائل : فهل لذلك من حد معروف تبينه لنا ؟ قيل : نعم ، ذلك مفهوم في كل شيء من المطاعم والمشارب والملابس والصدقة وأعمال البر وغير ذلك ، نكره تطويل الكتاب بذكر كل نوع من ذلك مفصلا ، غير أن جملة ذلك هو ما بينا ، وذلك نحو